بين مصر و الاردن

27مايو, 2009

كنت فى الاردن ضمن فعاليات دورة حول تعزيز الاحزاب و التى اقامها “المعهد الجمهورى الدولى” استغرقت خمسة ايام..
و لست اكتب اليكم عن تجربة الدورة و لا عن فعالياتها و لا عن المعهد الجمهورى..
بل ان حديثى لكم عن الوجع الذى سكن نفسى و قلبى المذبوح
وجعا على مصر و قلبا مذبوحا على الوطن الذابح المذبوح
كلنا نحب الوطن .. و لا مجال لأن نزايد على انفسنا او غيرنا فانه بالنسبة لنا أكبر من كل الدنيا و أجمل منها كلها .
و لكن يبقى انا ان نبحث فى حبه عن رفعته و عن ان يكون عظيما بحق كما نريد له ان يكون و ان يكون عزيزا نعتز به بين كل الناس و لبيان مآساتنا و ما وصلنا اليه فلنعقد مقارنة بسيطة بين الارض هنا و الأرض هناك و بين الناس هنا و الناس هناك.

الأرض هناك شحيحة الموارد جبلية قاسية ،لا موارد تخرجها لهم بطونها ،و لا كنوز تنام تحتها، و لا تنبت لهم زرعا و لا تسمن لهم ضرعا،ماذا هناك من اسباب الطبيعة ما يصنع حضارة و رقيا؟

و الأرض هنا كريمة على الدوام ففوقها الخير و فى باطنها الجوهر لدينا كل الموارد ماء عذب و بحران كبيران و ارض خصبة و آبار البترول و الغاز وعيون الماء و النهر الخالد و عندنا المناجم و المعادن و عندنا الموقع الفريد و عندنا كثير من النعم التى لا نستطيع ان نحصيها فماذا ينقصنا من اسباب الرقى و الحضارة و التقدم؟
و على عكس الارض هناك كان الناس هناك ،لقد كانت مفاجأة كبيرة حين شاهدت سلوك الشعب الأردنى و رقيه و تحضره، كلمة السر هناك هى النظام و المبدأ ،الذوق يغلب على تصرفات القوم شوارعهم نظيفة ،لون المبانى ابيض ،ليست بلادا فخمة تعج بالثراء العمرانى و ليس هناك ملايين الكبارى ،هناك البساطة سيدة الموقف كما ان النظام و الآدمية هى ما تلمسه فى كل مكان،حسن المقابلة و حسن الاستقبال ،سائق التاكسى يصف لك المكان ان كان قريبا،لا توجد عشوائية فى الاماكن لا يوجد تزاحم ،السيارات تسير بالتزام لا تعاكس اتجاه السير ،لا آلات تنبيه مزعجة و لا سيارات تتسابق السرعة متوسطة ،العقل هناك يغلب على تصرفاتهم ،اذا اردت ان تعبر الطريق تتوقف السيارات حتى و لو من مكان غير مخصص لعبور المشاة ،و الناس تمشى بنظام ،لا تجد متسكعا على الطريق و لا من يعاكس فتاة ،لم ارى شجارا ،لم اسمع صياحا ،لم اجد كلمة تخدش الحياء العام،و المرأة الاردنية ترى فيها شموخ و عزة المرأة العربية تسير بهمة و نشاط تتحشم فى تصرفاتها ،ليس لديها وقت لان تسير بليونة لا مجال لاثارة الغرائز و لا استعداد لديها لتستجيب الى كلمات المتسكعين ملبسها انيق اغلبهن محجبات و حتى التى لم تتحجب تشعر فى حركتها بالعقل و الاتزان ،هناك المرأة جميلة و تتجمل دون الوان زاعقة و لا بهرجة كاذبة ،فجمالها فى ذاتها اكبر من اى جمال،الشرطة هناك تعاملك بمنتهى اللطف يؤدون عملهم دون ان تشعر بالازعاج لانهم يعرفون انهم يتحدثون مع انسان و كل انسان لديهم هو احق بان يكون مكرما لانه له قيمة و كرامة ،و لا مجال هناك لبلطجة رجال الشرطة ،العدالة الاجتماعية هناك تحتضن الجميع ..نعم الاسعار عالية بنسبة 20/30%عن مثيلاتها فى مصر و هذا الفرق هو من نتاج الضرائب و الضرائب تصرف على رعاية الشعب و اصلاح شئونه ، و بالمقابل فان الرواتب حدها الادنى عند ما يعادل 2400 جنيه مصرى،اذا تكلمت مع احد فخطابه معك سيدى…،الى هذا الحد هناك كرامة الانسان تصان،ليسوا اوربيون و لا أمريكان و لا خليجين، و ليس لديهم انتاج ضخم و لا بترول و فحم و لكن هناك عدالة اجتماعية و اعلاء لقيمة الانسان.
اما الناس هنا فالامر بعيد تمام ، تدمع عينى و يبكى قلبى على حالنا و مصيرنا.
كم مرة فى يومك سمعت اصواتا و صياحا ؟و كم شابا يتسكع قابلك؟ كم احدا زاحمك ؟ كم مرة رأيت السيارات تلعب على الطريق لعبة الثعبان الراقص؟ كم فتاة تتسكع ؟كم مرة شاهدت معاكسة ؟كم مرة رأيت رجال الشرطة يعطلون الناس؟ كم شحاذ قابلت ؟ كم طفل يبيع المناديل فى الاشارات؟ كم سيدة عجوز وقفت طويلا لتعبر الطريق ؟ كم مشاجرة رأيتها ؟كم مرة تكلمت مع شخص و لاحظت منه قلة الذوق؟ كم و كم و كم ………..الواقع مر…. و نحن نحلم بواقع افضل …. و حال امتنا و وطننا يذهب كل يوم الى ما هو اسوأ….الرتق اكبر من الراتق
لماذا لدينا كل شئ و ليس لدينا النسان … و لماذا ليس لديهم شئ و عندهم الانسان
ان ألمى ليس الا بمقدار حبى للوطن و أملى ان ارى اهله كراما حقوقهم مصانه و حرياتهم مكفولة و املى ان ارى شعبنا اكثر رقيا و بلدنا اكثر تقدما ، ويزداد الالم باتساع المسافة المتزايدة بين الواقع و المأمول
اننى فى صدمة حقيقية عندما اقارن و ليس لدى فكرة الى تغيير الواقع المر من مر الصدمة … فلنناقش هذا الموضوع … و الى اللقاء


لماذا ارفض الاضراب فى الوقت الحالى

27مايو, 2009

لا شك ان الاضرابات و الاعتصامات و المظاهرات هى أقوى وسائل التعبير عن الرأي و هى حق أصيل لكل صاحب رأي و تتعدد الوسائل من مكتوبة الى مرئية الى مسموعة و على الانترنت و عبر الندوات و المحاضرات والكتابة و المناقشات و المؤتمرات .
و اذا اتفقنا ان التغيير هو هدف الغالبية المنشود فهل عند الأغلبية الاستعداد للسعى نحو التغيير و بناءا على درجة استعداد الأغلبية و امكانياتها يكون اختيار الوسيلة المناسبة للحركة على طريق التغيير، فهل اغلبية هذا الشعب الصامت و السلبية كثيرا من الأحيان و التى تعتمد فى حركاتها على الرغبات و المصلحة الفردية و الفئوية ثم ما تلبث ان تنام اذا تم مراضاتها من جانب النظام.
من الذى يتصدى للكفاح و الجهاد غير المتجردين للقضية ذاتها و ليس المتحركون نتيجة وضع مصلحي فئوى مثل عمال شركة او طائفة مثل النوبيين او السيناويين، و انا هنا لا الوم على تحركات تلك الفئات فى الدفاع عن مصالحها و لكن لابد من ان يكون هناك حديثا عن هموم الشعب كله و آلامه و لو عامل النظام النوبيين و لبى مطالبهم و رشاهم بالرشى هل كنا سنسمع بهم او سيظل النوبيين على حماسهم او هل مطالب النوبيين ذات نكهة وطنية قومية لكل الشعب،أو ان تحرك عمال غزل المحلة من أجل التغيير و الدستورية و الديمقراطية و الحرية ام هى فى الاساس مطالب فئوية اذا تم اجابتها انتهى دور المطالبون بالنضال … نعم بين هؤلاء الفئويين من يحمل الهم الوطنى لكن الفئة لن تصبح عاملا مهما على طريق الكفاح بهذه الطريقة.
و على الطائفة المثقفة و الواعية و التى تسير وفق منظور وطنى و غير مصلحي ان تنظر فى الامر من جديد و ان تعمد وسائلها من اجل بناء جبهة موحدة يكون اهم اهدافها هو تنوير المجتمع و تعريف الناس بحقوقهم و الربط بين المطالب الوطنية و عوائدها على الجميع مما يجعل الاصلاح اجماليا يحقق الاصلاح لكل الفئات.
لقد نجح اضراب 6 ابريل 2008 لوجود حالة من الغلاء الطارئ و الذى انكسرت حدته بشكل كبير نتيجةالأزمة العالمية لقد كان الغلاء هو العامل الأكبر فى نجاح 6 ابريل الماضى اما الاضراب القادم فلن يجد الغلاء الذى يحرك المجموع او جزء كبير من المجموع له اعتباره و اهميته غير ان هناك عوامل اخر تعمل ضد الاضراب المزمع و منها حالة الارهاب التى قدمها النظام فى تعامله مع اهالى مدينة المحلة الباسلة و منها الاحكام القضائية المشددة فى المهزلة و التى تشكل ضاغطا نفسيا على من يستعد للاضراب و منها انه تم تحييد عمال المحلة بعد قرارات مايو و زيارات رئيس الوزراء.
لابد من وجود جبهوية تشمل كل الحركات المعارضة و خلق حالة من الحوار بين جميع القوى و الأحزاب و ان تستنفر طوائف السياسيين و الناشطين من اجل خلق حالة فكرية جديدة و انتقاء الوسائل الافضل فى التنوير و فى الحركة من اجل التغيير و ان يكونهناك قيادة عامة للتغير و من هنا نكون قد بدأنا العمل على طريق نعرف جيدا نهايته و ليست حركات عبثية تضر النضال من اجل الوطن و تشيع مناخا سلبيا و تيأس اصحاب الروح الثائرة حينما تتكرر المخاضات الكاذبة.
ان الدعوة لاى الاضراب و نحن على هذه الحالة لا يخدم قضية الوطن و علينا اعادة النظر و التفكير فى وسائل الحركة.
ان الحالة الفسيفسائية و التشظى الموجود على الساحة السياسية لا بد ان ينتهى و ان هناك نعرات بدأت تظهر فى الصورة و ةتقسم اصحاب الرأى من ابريليين الى كفائيين الى حزبيين و كل حزب بما لديهم فرحون.
الحوار …التنظيم… الاتحاد ….التحرك السليم


الاسلام .. دين و دولة أم دين و دنيا

27مايو, 2009

قلم فتحى بدر
تبدأ الأمم فى الهزيمة حينما تسرى فيها الشائعات و الاساطير الخيالية حينما تعتقد ان سندها هم ارواح الأجداد الطيبين و الأولياء حينما يحتاج الشعب أن يستظل بالحماية التى يتمناها و ان يظل على وضع ما فيستمد وجوده من قدرة الخرافات و الاعتماد على الاساطير كغذاء روحى حينما يشعر ان قدرته باتت مهددة بالعجز و قيمته لا تستمد من الواقع فيستعين بشئ من وراء الطبيعة.
تردد فى اسرائيل بعد الانسحاب من غزة شائعات بان الأم راحيل و هى أم النبى يوسف عليه السلام كانت تظهر للجنود فى أحداث غزه الأخيرة و ترشدهم عن الأفخاخ و عن الكمائن التى أعدتها حماس و انبرى رجال الدين اليهود يؤكدون انهم هم الذين طلبوا منها ان ترعى جنود اسرائيل لأنهم يضربون و لا يٌضربون “

و بالطبع فان الاستبداد بالدين هنا أدى بهم الى الخرافة و الى مجاوزة الواقع و الحقيقة و الوقوع تحت تأثير الخيالات و الضلالات و الأوهام ، و هذا مما يدلل على الضعف الذى بدأ يضرب فى اوصال اسرائيل لوقوعها فريسة للخرافات و التأويلات الدينية الخاطئة و مدي الفهم الخاطئ لمفهوم الدين و الاستبداد باسمه و تبرير كل الأفعال تحت المسمى الدينى و الحديث عن القدرة لرجال الدين على فعل الخوارق بارسال الأولياء و الأنبياء لنصرة ابناء الدين .

***

و أننا كأمة عربية – و لا أنفى أهمية الاعتقادات الروحية فى تحقيق نصر داخلى بأن الله معنا – اصيبنا من قبل بهذه الأمراض الخطيرة و استفحلت آثارها يوما فيوم و لا نزال نعانى منها هذا هو الذى بدأ يظهر فى الشعب اليهودى المسيطر حاليا بوجوده و قوته و هيمنته ، ولا محالة أنه إلى زوال ،أبشروا بزوال اسرائيل حينما تصبح على نفس الطريق الذي سلكناه .

و لكن علينا ان تتذكر صباح مساء أننا فى حالة مرضية اشد خطرا من حالتهم و بحاجه الى عودة الوعى و العقل معا آخذين باسباب القوة المادية و الحضارية القائمة على احترام الآخر و تقديره مهما بلغ الاختلاف فى وجهات النظر و الآراء ، علينا ان نعود الى الرشد و الى سبيل الفلاح و أن نبدأ بالإعتراف بعيوبنا ثم نكرها و نلفظها فنتخلص منها و بعد ذلك نستفيق على عدو اصبح متخلفا و نحن اكثر تقدما و وعيا.

و ما زال الحلم بعيد والطريق الى تحقيقه وعرا و لكننا نستطيع الوصول عبر الفهم السليم لمعانى الحياة و مهمتنا على هذه الأرض و ان نفهم و نعى ان للايمان و الاعتقاد حدود اذا حاولت استطالتها و تضخيمها تحولت اما الى عدم فهم الايمان وحقيقته او اخراج المعتقد الى ساحة الخرافة ، علينا ان نفهم و نعى ان لكل شئ تفسيره و ان المعتقدات و الايمان لها اهميتها القصوى فى حياة الأفراد و المجتمعات و لكن اذا تعدت هدفها بالاساس تحولت الى خرافة مثل الخرافة الاسرائيلية التى نحن بصدد استنكارها و الموت ضحكا من فرط طرافتها ، و هنا لا نطالب بفصل بين الدين و الحياة ، بلا انه لا حياة بدون دين ، بل ان الفصل بينهما يماثل الفصل بين الروح و الجسد ، و لكن علينا ان نفهم ان الله قد فطر الطبيعة بقانون و ان فهم ادوار و مهمات كل القوانبن من حولنا هى من مطالب الدين الاساسية و لكن ليس فى تصور خرافى و لكن بتصور فكرى علمى و كم من الايات الواردة فى القرآن التى تأمر بالتبصر و التفكير .

إن المقولة “بفصل الدين عن السياسة” تفهم دائما و تفسر من قبل البعض بأنها تطالب بحصر الدين فى دور العبادة و الحكم عليها بعدم مغادرة اركان المسجد ، أعتقد أننى اتبنى “فصل الدين عن السياسة و فصل السياسة عن الدين” و لكن من خلال اكمالها باضافة بندا مكملا لها و هو ان” الدين دنيا و آخرة و لا فصل للدين عن الدنيا و لا فصل للدنيا عن الدين “.. و لا يمكن ان نترك المبدأ الأول دون تأكيد هذا المعنى حتى يتفهم الجميع الأمر ، و لكن قد يأتينا البعض و يحتج بان “الاسلام دين و دولة” سنقول له ان الاسلام اكبر من ان يكون دولة لأنه “دين و دنيا” و يا أيها المحتج ايهما اكبر الدولة “أم الدنيا “؟ بالتأكيد ستكون الاجابة هى الدنيا . و لكن ….. سيحاول ان يتحدث عن معنى” دين و دولة” سنقول له مهلا فلتستمع لنا قليلا فان الذى أفرده مفكرو الحركات الاسلامية كبير فى هذا المعنى و لقد مررنا على أفكارهم – التى نحترم اغلبها بالطبع كمحاولة لفهم شمولية الدين- و لكن اترك لنا نحن المجال قليلا لنشرح وجهة نظر قد تكون فى حاجة ان تسمعها من مخالفيكم فى الرأى.

بداية ان الدين هو منهج حياة و له من التأثير فى تربية الفرد و المجتمع و بنائه و الرقى بفكره و سلوكه و باعث على التطوير و النهوض كما انه غذاء روحى نستمد منه القوة لمواصلة الطريق و ان وظيفة الدين شاملة فى تشكيل الحياة الانسانية قاطبة و أن الدين الصالح هو الذى يتسم يالمرونة لتلبية احتياجات الانسان المتزايدة و التى تختلف كما و نوعا على مختلف الأزمان ، أما أشكال الحكم و الأنظمة الإدارية و النظريات الفكرية و الإقتصادية و العلوم الطبيعية و التطبيقات التكنولوجية و هى التى تختلف باختلاف الازمان و الأماكن و الظروف ايضا ، و هنا لا ننفى علاقة الدين بهذا كله و لكن علاقة تغذية و ليست علاقة نظريات جامدة أو تطبيقات محددة لا تتغير، فالدين هو فلسفة جامعة نهتدى في ظلالها فى التفكير مستمدين منه المعانى العميقة التى تتجذر فى الوجدان كالعدالة و الحرية و الخيرية ، و قد لا نصل الى المثالية الكاملة و بالتأكيد لن نصل اليها ما دمنا نعبش فى الحياة الدنيا و لكن نكون قد اقتربنا منها ، و بعد فان المقاصد العامة للدين و الغايات العظمى منه تتحقق بتحقيقنا لما يصلح الانسان و البيئة المحيطة به فى كل زمان ، و أن يكون عملنا السليم بالشكل العلمى و العملى هو من أكبر أهداف الدين مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا أن يتقنه”.

إن الدين أكبر من دولة تقوم و تزول ، و علينا دائما أن نرعى انه دين و دنيا و أنه منهج حياة و أن شمولية هذا الدين لا تعنى حصره فى افكار محددة أو فى شكل دولة تقوم و تزول ، لأن الدين أعمق من فكرة وأكبر من دولة ، هو منهج حياة للفرد و المجتمع نترقى مدارجه بالفهم المتعمق و نسمو به فوق مفهومات ضيقة ، و الأشد خطرا من حصار الدين فى فكرة معينة أو دولة هو احتكار الدين لصالح فئة و منعه عن باقى الفئات.

علينا أن نفرق بين احتكار التحدث باسم الدين و بين مفهوم الدين نفسه ، فان الذين يحتكرون التحدث باسم الدين و حصره فى آرائهم و تآويلاتهم – هم الأكثر حاجة لفهم الدين ، لأن الدين اكبر من أن تحتكره فئة أو أشخاص ، بينما الدين هو كالهواء الذى نتنفسه جميعا لا يمكننا الاستغناء عنه و ليس ملكا لأحد أن يمنعه ، و اذا جاء أحد و زعم انه يحتكر الهواء فهو معتد علينا و على الهواء.

ان الدين هو المدخل الرئيسى فى انتاج الحضارات ، و نحن هنا نؤمن بأن للدين ثوابت لا تتغير ابدا – مثل ثوابت العقيدة والشريعة – و لكن لأنه الدين الصالح فإن له ثوابت عليا لا تتغير و لكنها تقبل التغييرفى اطارها ، و بالتالى فان الدين يقبل التغيرات الطارئة بفعل الزمان و المكان طالما أن التغييرات لا تبتعد عن مقاصده و لا تصطدم بثوابته ، و أعتقد أن الدين يدعو الى تحرير العقل و إعماله بما يحقق الإعمار على هذه الأرض ، ان الدين و ضع ضوابطا عامة للفرد و المجتمع ، و ما التزم بهذه الضوابط فرد أو مجتمع و شرع يحقق الهدف المطلوب منه .. الا و قد نجح هذا الفرد و المجتمع فى تحقيق مقاصد الدين دون ان ننعت اساليب و نماذج و أنظمة بأنها “دينية”على الرغم من أنها سارت و تحققت تحت ضوابط عامة من الدين التى التزم بها الفرد و المجتمع لأنها هنا مجهود إنسانى و سعى بشرى قد يشوبه الخطأ و النقصان مهما تحرى ألا يخطئ أو ينسى كما أننا لو نعتنا تلك الأساليب و الأنظمة و التطبيقات بالدينية فنحن هنا نكون قد حكمنا على غيرها من الأساليب بالوصف المضاد و هو “لادينية” و هنا يكون مدى الاساءة كبيرا فى حق الدين و مدى التجنى الواضح على الاساليب الأخرى .

و فى النهاية فإن هذه دعوة إلى الجميع ان يثيروا حوارا حول هذه النقطة حتى نصل الى مخرج من مرحلة طالت بنا فى عنق الزجاجة بين دين نمتلكه و فضاء رحب لممارسته .


و انتهت ازمة الوفد ….. اذن فلينطلق لمتابعة دوره التاريخى

28اغسطس, 2008

اسدل الستار عن اكبر ازمة من ازمات الوفد بعد عودته الى الحياة السياسية منذ عام 1984 ، كانت ازمة عاتية شديدة تهدم اركان اقوى حزب قائم و لكن صبر الوفديين و مثابرتهم و جلدهم و تحملهم سهام النقد الجارح و الهجوم غير المبرر من البعض و تحملوا مرارة وضع مضطرب امتد لاكثر من عامين ، كل هذا لم يوهن فيهم ، لأن مدرسة الوفد تسير على درب مؤسيسيها العظام سعد و النحاس و سراج الدين هم ابناء طلعت حرب ابو بنك مصر هم احفاد اجيال قدمت للوطن الحرية و الاستقلال و العدالة و التنمية .

لسنا نكتب لنمجد الوفد بدون مجد ، فالمجد مكتوب على راياته منذ ان اسس بتفويض من الشعب عام 1918 ، نعم هناك اخطاء حدثت داخل الوفد و من جميع الأطراف و ان الخلاف و الاختلاف هما سنة الحياة ، كما أن الوفد مر اثناء الفترة الليبرالية بعشرات من حوادث الخلاف و الانشقاقات و تلك هى السياسة بوجه عام أصدقاء اليوم و خصوم غدا ، ان الدكتور نعمان جمعه رجل له تاريخ مشرف و لكن تقدم السن به و لعادات اصيلة فيه هى القوة و العناد أنساه ذلك مبادئ الديمقراطية الوفدية العريقة و لعبت برأسه الظنون فتصور غدرا و تآمرا عليه فبطش بنفسه قبل أن يضر بالحزب و مصالحه، و لعله الآن بعد الحكم الأخير و النهائى أن يتفكر فى ان يعتزل العمل السياسى و ان يحاول قدر الامكان التكفير عن أخطائه فى حق الوطن و حق الحزب الذى كان رئيسه.

أما رجال الوفد الحاليين و على رأسهم الدكتور حمود أباظة و هم اصحاب فكر اصلاحى تنويرى يقومون الآن بدور كبير هو دور الترميم و الاصلاح الداخلى للحزب ، فان الحزب يحتاج الى يد تمتد اليه اتصلح العيوب و تطوره ليجارى المستجدات على الساحة المحلية و الدولية و ان مستجدات العصر و تقدم و تطور وسائل الاعلام و الاتصال و الخطاب الجماهيرى و روح الشباب الجديده و تطور صور و واساليب النضال الوطنى تحتم على الوفد فى الوقت الراهن ان يعيد عملية الاصلاح بخطى سريعه ، و بالفعل بدأ أباظة و مجموعة الاصلاحيين باقرار اللائحة الداخلية للحزب و هى بحق من أهم الانجازات الداخلية فى الحزب ، و لقد سمعت منه أثناء معسكر الشباب الأخير أن يد التطوير ستمتد الى الجريده و الى خطاب صحفى جديد و اصدارات جديدة و كتب و مجلات و جرائد اكثر شبابية و اكثر تخصصا ، و كذا الى اعتماد الشباب كركيزة اساسية فى الالتحام بالعمل الجماهيرى و انشاء موقع خاص لهم ، و تنظيم المعسكرات و الندوات و الدورات التدريبية المتخصصة.

و من المطالب التى نطالب بها القيادات الوفدية ، هو التعامل مع الحركات الجديدة و رعايتها مثل كفاية و شباب 6 ابريل و حركة لا لبيع مصر و الحركات المهنية و العمالية المختلفة، ان يحتويها الوفد و يتبناها  و يكون ظهرا لها لأن الوفد هو ضمير الأمة قبل أن يكون حزبا سياسيا، و على الوفد أن يفهم طبيعة المرحلة و أن الاحزاب الورقية و المعدومة ما عاد يأتى الحوار معها بجديد من أجل الوطن لأنهم فقدوا القدرة على التواصل مع المجتمع ، و على الوفد أن يكون حلف وطنى يضم الاحزاب التى فيها رجال حقيقيون و الحركات الديمقراطية و المناهضة لكافة اشكال الديكتاتورية و الفساد.

و الآن و بعد ان انفض الوفد من معركة كادت ان تودى بوجوده ، و كانت ورقة ضغط على رقبته و على قراراته و كانت تشغل طاقاته و مجهوداته ، آن ان يكون الوفد رأس الحربه الموجهه الى صدر هذا النظام المتهالك الذى يحكم بقبضة امنيه ستنهار قريبا.

و يبقى أن اطالب الوفد كأحد ابنائه المخلصين لمصر ، لان مستقبل هذا الوطن مرهون بدور الوفد على الساحة السياسية ، فلقد جربنا تصدر الاخوان لطليعة التغيير و لم يحدث شيئا و اثبت الاخوان عدم نضجهم السياسى و الوطنى سواءا بسواء ، كما ان الحركات اليسارية تعانى الذبول و الاصفرار ….. فعلى الوفد ان يتقدم المسيرة و ان يقدم ولائه للشعب بصورة اكثر قربا الى عواطف الشعب و آماله .

يا رجال الوفد ….. يا شباب الوفد …… يا أبناء الوفد

يا كل مخلص يحب هذا الوطن ……. يا كل من يحترق صدره خوفا على هذا الوطن

تقدموا و تعاونوا من أجل هذا الوطن الذى ستسئلون عنه امام الله

هذا الوطن الذى هو صاحل الحق عليكم  ……. هذا الوطن مستقبلكم و مستقبل ابنائكم

عاش الوفد ضمير الأمه


حريق مجلس الشورى : هل انتبهتم الى الحكمة الالهية

21اغسطس, 2008

لقد احترق مجلس الشورى المزور ، لقد احترق اكبر مجلس مزيف فى تاريخ البشرية ، فليس يخفى على المراقب للانتخابات الأخيرة لمجلس الشورى بأنها اكبر انتخابات مزيفة فى تاريخ العالم و اننا ضربنا الرقم القياسى المسجل عالميا فى التزوير و بالطبع جميع الارقام القياسية فى هذا المجال احتكار مصرى تقريبا.

فى اخر انتخابات لمجلس الشورى كنت اعمل منسقا عاما للرقابة على انتخابات الشورى لدى أحد منظمات المجتمع المدنى ، و شاهدت بعينى و سجلت بقلمى و جمعت الشهادات من جميع المراقبين و حصدنا فيها اكبر كمية مخالفات فى كل جزئية خاصة بالعملية الانتخابية بداية من تلقى طلبات الترشيح و انتهاءا بفرز و اعلان النتائج ، لم ارى كمية هذا التزوير فى حياتى ، و كانت الانتخابات بالكامل تحت ادارة الامن الامين و الحريص على مصلحة الشعب و قام بكل الواجب من البداية للنهاية:  ضرب و طرد للمراقبين ، ضرب و طرد مناديب المرشحين ، منع الناخبين من التصويت ، منع المرشحين انفسهم من التصويت ،و ايضا منعوا كثيرا من المرشحين من الترشيح ، وضع اكثر من 500 صوت مسودين لصالح المرشح الحكومى،طبعا كل ده تم و تم ايضا ترويش رؤساء اللجان الفرعية ، و فى الفرز لم نستطيع الدخول ……………. اما نتيجة الفرز فكانت اكثر من 120000صوت لمرشح الحكومة ، يعنى اخد اكثر من ر~يس الجمهورية فى دائرتى بسيون و كفر الزيات

هذا طبعا غير مرشح الحكومة فى زفتى اخد 250 الف صوت و سلام على المجلس المحترق

نأتى الى الدولة الرائدة دائما و ابدا و نرى دورها البارز فى اطفاء الحريق هل من المعقول ان يستمر الحريق فى احدى اقدم مبانى مؤسسات الدولة (و سلم لى على دولة المؤسسات و قولها تيجى تزورنا) لأكثر من 16 ساعة ؟ أين الانذار المبكر ؟؟؟؟ …….. أين الاستعدادات داخل مجلس الشورى نفسه؟…………….أين هيئة او ادراة الدفاع المدنى ؟ …………………ززز أين استعدادات وزارة الداخلية التى كانت مستعدة فى انتخابات الشورى و لم تستعد لاطفاء حريقه ؟ ………….. نشكر الجيش ووزارة البترول ؟……… و لكن يتضح ان الحريق اكبر من الدولة

ماذا لو شب حريق مفاجئ ايضا فى نفس الوقت فى مكان حيوي او فى غير حيوي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هل تستمر الحرائق لمدة 72 ساعة ؟. هل ستحترق البلد ؟..

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الدولة …………………الدولة؟…………………مثل الطبلة ………………..جوفاء مثل الطبلة ……. ترقصنا على نغمات الطبلة .. و نموت على الحان الدولة ………………………………..أين الدولة ؟


الدعاء الذي هز السماء

21اغسطس, 2008

في حديث عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل على عهد النبي صلى الله
عليه وآله وسلم يتاجر من بلاد الشام إلى المدينة ولا يصحب القوافل
توكلاً منه

على الله تعالى… فبينما هو راجع من الشام عرض له لص على فرس، فصاح

بالتاجر: قف فوقف التاجر، وقال له : شأنك بمالي.

فقال له اللص: المال مالي، وإنما أريد نفسك (أى قتلك).
فقال له:أنظرني حتى أصلي. قال: افعل ما بدا لك.
فصلى أربع!
ركعات ورفع رأسه إلى السماء يقول:

يا ودود يا ودود، ياذا العرش المجيد، يا مبدئ يا معيد، يا فعالاً لما
يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرت
بها على جميع خلقك، وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت،
يا مغيث أغثني، ثلاث مرات.

وإذا بفارس بيده حربة، فلما رآه اللص ترك التاجر ومضى نحوه فلما دنا
منه طعنه فأرداه عن فرسه قتيلا، وقال الفارس للتاجر: اعلم أني ملك من
السماء الثالثة.. لما دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا:
أمر حدث، ثم دعوت الثانية، ففتحت أبواب السماء ولها شرر، ثم دعوت
الثالثة، فهبط جبريل عليه السلام ينادي: من لهذا المكروب ؟ فدعوت الله
أن يوليني قتله. واعلم يا عبد الله أن من دعا بدعائك في كل شدة أغاثه
الله وفرج عنه.

ثم جاء التاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،
فأخبره فقال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :
(( لقد لقنك الله أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب، وإذا
سئل بها أعطى)) صدق الرسول الكريم عليه افضل الصلاة والتسليم

جزى الله خير من أعان على نشرها

إذا اشهرت سيفك لتقتلنى…
حاذر ان تجرح نفسك فتؤلمنى

المعرفه

هي أن تنمي وتطور ذاتك في كل شئ
وتتعلم من تجاربك في خلق انسان واعي راقي
جميل من الداخل كما هو من الخارج
غني بفكره وعقله وتصرفاته وسلوكه كما غناه بماله

مقتبس


الحاج احمد البس …. من الليمان الى البرلمان

9يوليو, 2008

بقلم : المستشار عبداللـه العقيل
سمعتُ عن الأخ الداعية الحاج أحمد البسّ، ثم التقيته أول وصولي إلى مصر سنة 1949م من خلال إخواني وزملائي أحمد العسال ويوسف القرضاوي ومحمد الصفطاوي ومحمد الدمرداش، الذين كانوا يشكلون مجموعة من طلبة الإخوان الأزهريين، ويقودون العمل الإسلامي ويتحركون في أوساط الطلبة ويزورون المدن والأقاليم والأرياف ينشرون دعوة الله، ويبشرون بحركة الإخوان المسلمين التي تعمل على إعادة الحياة الإسلامية إلى الواقع المصري، مترسمة خطى الدعوة الإسلامية الأولى التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم والتي لا صلاح للبشرية بدونها.

يقول الأستاذ جابر رزق في مقدمته لكتاب “الإخوان المسلمون في ريف مصر” لمؤلفه الأستاذ أحمد البسّ ما نصه: “إن تاريخ جماعة الإخوان المسلمين هو في حقيقته تاريخ هذا الجيل الذي رافق الإمام الشهيد حسن البنا في إقامة هذا الصرح الشامخ، وواصل المسيرة مع الإمام الممتحن حسن الهضيبي، وصابر وثبت على الحق، حتى جاء فرج الله، فخرجوا من السجون والمعتقلات، مرفوعي الرؤوس، لم يحنوا رؤوسهم لطاغية أو لجبار، وواصلوا السير مع المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني الذي استطاع على مدى الخمسة عشر عاما الأخيرة، أن يعيد للجماعة وجهها الوضاء ويدحض كل ما ألصق بها من تهم وافتراءات، وأصبحت جماعة الإخوان المسلمين واقعاً فعلياً في الساحة المصرية كأقوى قوة اجتماعية مؤثرة في المجتمع المصري” انتهى.

لقد كان الحاج أحمد البسّ نموذجاً رائعاً وقدوة حسنة للدعاة، في علمه وخلقه، ودينه وتقواه وسيرته ومعاملته، وكان التواضع والبساطة والكرم والبشاشة، من صفاته التي لا تفارقه، وهي قدر مشترك ينتظم معظم دعاة الإخوان المسلمين، وبخاصة الذين تربوا على يدي الإمام الشهيد حسن البنا ومرافقيه فترة من الزمن، فهذا الجيل له من الأخلاق العالية، والنفوس الكبيرة، والصلاح والتقوى، والصبر والثبات والعمل الدؤوب في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، نصيب كبير وجهد متواصل، وباع طويل، وعمل مُتقبل مشكور بإذن الله.
إن الأستاذ المربي والداعية الحليم الحاج أحمد البسّ كان له في نفوس الإخوان وبخاصة الشباب والطلاب منزلة ومكانة الأب والموجه والأخ والمعلم، حيث يحبونه غاية الحب، ويستجيبون لتوجيهاته التربوية دونما تردد، ويسيرون في ركاب الدعوة باندفاع وحماس حيث يرون في أستاذهم القدوة الحسنة، فقد كانت الدعوة إلى الله هي همُّه بالليل والنهار، وقضايا الإسلام والمسلمين، هي شغله الشاغل، وقد وفقه الله لزوجة صالحة ومربية فاضلة كانت السند القوي، الذي يشد أزره، ويؤيد منهج الإخوان المسلمين، وكانت خدمتها لأبناء الدعوة لا تقل عن رعايتها لأولادها الذين وفق الله لتنشئتهم تنشأة صالحة، على مبادئ الإخوان المسلمين، فكانوا قرة عين للوالدين في البر والوفاء والصبر والثبات.
لقد ولد أستاذنا الحاج أحمد البس سنة 1915م ببلدة “القضابة” مركز “بسيون” في محافظة الغربية، وبعد إكماله الدراسة، عمل مدرساً في حقل التدريس ثم مدير مدرسة، ثم موجها بوزارة التعليم، وقد التحق بركب جماعة الإخوان المسلمين سنة 1939م، فعاش كل محن الجماعة، وقضى في سجون مصر ـ سواء في العهد الأسود لإبراهيم عبدالهادي وآخر الأربعينيات أو في عهد طاغية العصر جمال عبدالناصر ـ قرابة ربع قرن من الزمان كان فيها صابرا محتسبا آمنا مطمئنا، لم يهن ولم يضعف ولم يعط الدنية في دينه، وبقي على العهد حتى لقي ربه مأجورا إن شاء الله.

رئاسة الجمعيـة التربويـة

وقد تولى رئاسة الجمعية التربوية الإسلامية بعد تقاعده وهي جمعية أقامها الإخوان المسلمون بمصر للاهتمام بشؤون التربية والتعليم في مدارس الإخوان على مستوى الجمهورية، كما كان من نواب الإخوان في البرلمان في انتخابات 1987م، حيث اكتسح خصومه في الدائرة الانتخابية، وفاز بفارق كبير بالأصوات على مرشحي السلطة، وكانت مواقفه وإخوانه النواب في المجلس، تمثل نبض الشعب المصري، وصوت الإسلام المدوِّي، وكلمة الحق المجلجلة، في وجه الظلم والطغيان، وتطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، ورفع المعاناة عن الشعب، وتربية النشء وفق منهج الإسلام، والتصدي لأعداء الدين في الداخل والخارج من اليهود والصليبيين والعملاء والمأجورين والملاحدة والشيوعيين والفسقة والعلمانيين.

ولقد كانت فترة اللقاءات مع أستاذنا أحمد البسّ تتكرر في القاهرة والأقاليم، وتشرَّفت بزيارته في بلدته ودخلت بيته وأكلت من طعامه وتوثقت الصلة به وبتلامذته وأبنائه، كما التقيته بعد خروجه من سجن الطاغية عبدالناصر في مصر بمكتب المرشد العام عمر التلمساني ثم محمد حامد أبو النصر بدار الدعوة وكذا التقيته في السعودية عدة مرات، وكان آخرها حين شرّفني بمكة المكرمة بمنزلي مع ابنه الدكتور عبدالحميد، والأخ الدكتور أحمد العسال، وكانت أحاديث وذكريات ودروس وتوجيهات وطرائف ومِلح، وقد أهداني كتابه القيم “الإخوان المسلمون في ريف مصر” الذي تحدث فيه عن تاريخ انتسابه للإخوان المسلمين سنة 1939م، حيث يقول: “في يوم من أيام عام 1939م خرجت من منزلنا بالقضابة سائراً مع صديق لي هو عبدالمجيد الخلالي، فقابلنا الأستاذ محمد إسماعيل حتاتة، الذي أعطانا إعلانا صادراً عن جماعة الإخوان المسلمين (فرع طنطا) ثم قدم المهندس عبدالسلام فهمي، والأستاذ محمود العجمي من الإخوان المسلمين وخطب كل منهما في مسجد من مساجد “القضابة”، وقد التقينا بهما، وسألناهما عن الفرق بين الإخوان المسلمين والشبان المسلمين، وما المقصود بدعوة الإخوان المسلمين، وحين شرح الله صدورنا اتخذنا مقرنا في البيت في حجرات الضيوف كشعبة من شعب الإخوان المسلمين وزارنا فيها الأستاذ عبدالرحمن الساعاتي ثم انتقلنا إلى مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، حيث اشتركت مع زميلي عبدالمجيد في البناء مع العمال، فكانت في الصباح لطلبة تحفيظ القرآن الكريم، وفي المساء لاجتماعات الإخوان المسلمين، وقد زارنا الإمام الشهيد حسن البنا، حيث صلى بالناس العشاء والتراويح، وسألهم كم عدد ركعات التراويح يصلون؟ فقالوا عشرين، فصلى بهم عشرين، مع أنه يصلي بالمركز العام بالقاهرة ثماني ركعات ، وقد سارت الأمور في القضابة، إلى أن صدر قرار من إخوان طنطا أن أنتقل إلى شعبة “بسيون” للإشراف عليها وكانت تضم حوالي عشرين قرية وبقيت فيها من سنة 1939م إلى سنة 1954م حيث أنشأنا مستوصفا وفرقة للجوالة ساهمت في مكافحة الكوليرا سنة 1947م ومسجدا للصلوات الخمس والجمعة وداراً للسيدات ومدارس الجمعة للأطفال والناشئة ومدرسة ليلية للبنين ولجنة للمصالحات، وفض المنازعات بين الناس، ولجنة الحفلات والندوات، ولجنة تعاونية زراعية وتجارية ونادي للشباب ومآدب الإفطار في رمضان… إلخ”.

ومن توفيق الله له في السجن أنه كان يحفظ القرآن الكريم كله وهو في سن العاشرة، وقد نسيه، وحين دخل السجن استعاد حفظه كاملاً في أربعين يوماً، وواصل قراءته كل عام سبعين مرة، وظل كذلك بعد خروجه من السجن، بحيث كان يقرأ القرآن الكريم كل عام خمسين أو ستين مرة حتى لقي ربه سنة 1992م عسى الله أن يجعل تلاوته للقرآن ذخرا له في السماء.

في داخل الزنزانـة

يروي الأستاذ الحاج أحمد البسّ عن بعض أحوالهم في السجون فيقول: “رُميتُ في زنزانة إلى العشاء، ثم دُعيت للتحقيق على يد الضابط “أحمد صالح داود” وأجلسوني تحت قدميه، وأمرتُ بخلع ملابسي جميعاً، وطرحت أرضا على بطني، وانهال الضربُ على كل أجزاء جسمي، ثم أتوا بالعروسة الخشب وربطوني بها ونقشوا ظهري بالكرابيج، وكانوا يمرون علينا بالأسياخ المحماة ويلمسون أجسامنا حتى تبرد الأسياخ، فيأتون بغيرها حتى صرنا لا نحس بالحرارة، ولكن نسمع صوتها وهي تلمس الظهر أو الكتف أو الإلية، واستمر هذا التعذيب طوال الليل، وفي يوم من الأيام دعونا إلى الخروج من الزنازين إلى ساحة العنبر ثم الصعود مرة أخرى وبسرعة، وهكذا صعود ونزول سريع، مع الضرب بالكرابيج، وكان الجزء الأعلى من جسمي مكشوفا، لعدم قدرتي على لبس شيء عليه، لأنه يلتصق بالجروح، وفي مرة ونحن نصعد السلم ظن أحد الإخوان أني ألبس ملابسي، فأمسك بظهري ليستعين على الصعود، فقطع جلدي من رقبتي إلى أسفل بأصابعه وقد كان ذلك سهلاً لوجود القيح أسفل الجلد في جميع ظهري فانكشفت عظامي، فأخذني أحد الإخوان الأطباء المسجونين معنا، وأمرني بالنوم على بطني، وأخـــذ يرد جلد ظهري إلى مكانه، وقال لي الأخ الطبيب لقد أنقذك الله من الموت لأنني حين أرجعــت الجلد إلى مكانه قذفت القيح من تحته، ولو بقي هذا القيح يوماً آخر لوصل إلى صدرك ومت، وإن ما فعله الأخ الممسك بظهرك، كان رحمــة من الله بك. وحين رحلت من السجن الحربي إلى ليمان طرة وجدت قرابة المائتين من الإخوان من بينهم منير دلة وسيد قطب ومحمد يوسف هواش وحسن أيوب وحسن دوح وصالح أبو رقيق وكمال خليفة وغيرهم من الرجال الصابرين.

وفي يوم 1-6-1957م فوجئنا بحشد من الجنود والضباط، وبكميات من الذخيرة والأسلحة، والعصي والسياط، وكان ذلك عقب إحدى الزيارات حيث أدخل الإخوان الزنازين عصر الأمس وأخرجوا صباح هذا اليوم وقيدونا بالسلاسل الحديدية، التي تتسع كل واحدة منها لعشرين أو ثلاثين أخاً، وبدؤوا بالسلسلة الأولى التي ضمت عبدالحميد الخطابي وأحمد البس وعبدالرزاق أمان، وهكذا تم سلسلة خمسة عشر أخاً، ثم توقف مجيء الإخوان من الزنازين، لأنهم أدركوا أن هذا الأمر لتصفيتهم جميعاً، حين خروجهم للجبل مسلسلين، فما كان من إدارة السجن وعلى رأسها السيد والي إلا إصدار الأوامر بإطلاق النار على الإخوان وهم داخل الزنازين واستمر إطلاق النار قرابة الساعة، وكانت الحصيلة 21 قتيلاً، و 22 جريحاً، وخشي المنفذون أن يكون أي تحقيق من النيابة فأخذوا يوسِّعون مكان الطلقة بالسكاكين، ليوهموا المحققين بأن الأمر معركة بالسكاكين بين الإخوان أنفسهم، وفي اليوم التالي خرج 21 نعشاً ليلاً تحت الحراسة المشددة للدفن، وجاء صلاح الدسوقي ليهنئ قائد السجن السيد والي وزملاءه عبداللطيف رشدي والنصراني متى وأحمد صالح داود وعبدالعال سلومة وغيرهم، وقال أحد الضباط إن المذبحة بأمر السيد الرئيس جمال عبدالناصر، لأن الإخوان بالأردن أفسدوا الانقلاب الذي دبَّره ضد الملك حسين، فانتقم من الإخوان المسجونين بمصر مقابل ذلك.

ثم نُقلت إلى سجن القناطر لأكثر من عام وإلى سجن الواحات الخارجة والمحاريق حوالي الخمس سنوات ثم إلى سجن أسيوط وسجن القاهرة قرابة العامين، ثم إلى سجن قنا حوالي الست سنوات….”.

وهكذا قضى الداعية الصابر فترة زادت على ربع قرن، متنقلاً بين سجون الطغاة، من سجن إلى سجن، ومن عذاب إلى عذاب، ولكنه عذاب الدنيا، وابتلاء الله لعباده المؤمنين، ليميز الخبيث من الطيب، وتلك سنة الله في عباده المؤمنين: “الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون” ( العنكبوت: 1،2).

يقول أستاذنا البسّ: “شاء الله أن أدخل السجن، بسبب انتمائي لجماعة الإخوان المسلمين بعد عشر سنوات من زواجي، وخرجت بعد قضاء هذه المدة الطويلة، بعيدا عنها وعن أولادنا، فوجدت زوجتي أزكى ما تكون زوجة، والأولاد أحسن ما يكونون خلقا وعلما وأدبا، وقد أراد الله أن تكون محنتي مصحوبة بالعزة والكرامة، فإيمان هذه الزوجة أن تجوع وتمرض وتسافر وتحزن وتتألم وتسهر وتمشي وتكدح وحدها وسط هذه المحنـة الطويلة العريضة العميقة، بعيدا عن أسماع الناس وأبصارهم”.

ويقول عن أستاذه حسن البنا: “كان مسلما يمشي على الأرض رأى منه الإخوان كيف يفسر الإسلام، ويطبِّقه على نفسه، في الأكل والشرب والغضب والرضا، حتى أن الإخوان استفادوا من سلوكه العملي أكثر من سلوكه الخطابي وإن كان الاثنان لا يقلان عن بعضهما، حسن البنا شخصية لم أر مثلها ولعله ممن أشير إليهم أن الله تعالى يبعث على رأس كل قرن من يجدد للأمة أمر دينها”، وقال عن أستاذه حسن الهضيبي: “رجل عظيم، ومسلم منظم، وقائد حكيم، فُرضت عليه القيادة وهو كبير السن، مريض الجسم، لقد صمد الرجل صمود الأبطال، وضرب المثل المشرف الجميل، وسار بالدعوة يدفعها إلى الأمام، يزور البلاد ويواجه المشكلات ويتعرض للأزمات والدعوة منطلقة من يديه وبمساعدة الإخوة الخلصاء وقبل هذا بتوفيق الله تعالى إلى بلوغ مناها من تجميع وتكوين وتركيز وإصرار، وفي سنة 1954م تم القبض على ثمانية عشر ألفاً من الإخوان إرضاء للصهيونية العالمية والشيوعية الدولية والرأسمالية الغربية، وحكم بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة وغير المؤبدة، على ألف منهم وحجز الباقي في السجون والمعتقلات سنين طويلة.

وفي سنة 1965م قبض على خمسة وأربعين ألفاً من الإخوان المسلمين وحكم بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والأشغال على نصف ألف منهم وحجز الباقي في المعتقلات والسجون سنين طويلة، وأبيد منهم العشرات بل المئات بالتعذيب والضرب بالنار، وقد واجه الأستاذ حسن الهضيبي كل ذلك بصبر واحتساب إلى أن لقي الله عز وجل”.

ومن أقوال أستاذنا المربي الكبير أحمد البسّ: “العبرة دائما بالنتائج لا بالمقدمات، فكثيرا ما تبدأ الأمور بارتياح وسرور وتنتهي بحزن وألم والعكس بالعكس ومن الأمثلة في الأمور المهمة غزوة بدر الكبرى التي ابتدأت بأن المؤمنين أذلة وأن فريقا من المؤمنين لها كارهون وقد ذهبوا للمعركة كأنما يساقون إلى الموت ولا يودون ذات الشوكة، ويجأرون بالاستغاثة ويغشاهم النعاس، وينزل عليهم المطر، ويزحف عليهم العدو، ولكن النتيجة بعد ذلك النصر المبين، فيقتلون من أعدائهم سبعين ويأسرون مثلهم “ليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا”.
رحم الله أستاذنا الداعية المربي وجمعنا الله وإياه في مقعد صدق عند مليك مقتدر.