قلم فتحى بدر
تبدأ الأمم فى الهزيمة حينما تسرى فيها الشائعات و الاساطير الخيالية حينما تعتقد ان سندها هم ارواح الأجداد الطيبين و الأولياء حينما يحتاج الشعب أن يستظل بالحماية التى يتمناها و ان يظل على وضع ما فيستمد وجوده من قدرة الخرافات و الاعتماد على الاساطير كغذاء روحى حينما يشعر ان قدرته باتت مهددة بالعجز و قيمته لا تستمد من الواقع فيستعين بشئ من وراء الطبيعة.
تردد فى اسرائيل بعد الانسحاب من غزة شائعات بان الأم راحيل و هى أم النبى يوسف عليه السلام كانت تظهر للجنود فى أحداث غزه الأخيرة و ترشدهم عن الأفخاخ و عن الكمائن التى أعدتها حماس و انبرى رجال الدين اليهود يؤكدون انهم هم الذين طلبوا منها ان ترعى جنود اسرائيل لأنهم يضربون و لا يٌضربون “
و بالطبع فان الاستبداد بالدين هنا أدى بهم الى الخرافة و الى مجاوزة الواقع و الحقيقة و الوقوع تحت تأثير الخيالات و الضلالات و الأوهام ، و هذا مما يدلل على الضعف الذى بدأ يضرب فى اوصال اسرائيل لوقوعها فريسة للخرافات و التأويلات الدينية الخاطئة و مدي الفهم الخاطئ لمفهوم الدين و الاستبداد باسمه و تبرير كل الأفعال تحت المسمى الدينى و الحديث عن القدرة لرجال الدين على فعل الخوارق بارسال الأولياء و الأنبياء لنصرة ابناء الدين .
***
و أننا كأمة عربية – و لا أنفى أهمية الاعتقادات الروحية فى تحقيق نصر داخلى بأن الله معنا – اصيبنا من قبل بهذه الأمراض الخطيرة و استفحلت آثارها يوما فيوم و لا نزال نعانى منها هذا هو الذى بدأ يظهر فى الشعب اليهودى المسيطر حاليا بوجوده و قوته و هيمنته ، ولا محالة أنه إلى زوال ،أبشروا بزوال اسرائيل حينما تصبح على نفس الطريق الذي سلكناه .
و لكن علينا ان تتذكر صباح مساء أننا فى حالة مرضية اشد خطرا من حالتهم و بحاجه الى عودة الوعى و العقل معا آخذين باسباب القوة المادية و الحضارية القائمة على احترام الآخر و تقديره مهما بلغ الاختلاف فى وجهات النظر و الآراء ، علينا ان نعود الى الرشد و الى سبيل الفلاح و أن نبدأ بالإعتراف بعيوبنا ثم نكرها و نلفظها فنتخلص منها و بعد ذلك نستفيق على عدو اصبح متخلفا و نحن اكثر تقدما و وعيا.
و ما زال الحلم بعيد والطريق الى تحقيقه وعرا و لكننا نستطيع الوصول عبر الفهم السليم لمعانى الحياة و مهمتنا على هذه الأرض و ان نفهم و نعى ان للايمان و الاعتقاد حدود اذا حاولت استطالتها و تضخيمها تحولت اما الى عدم فهم الايمان وحقيقته او اخراج المعتقد الى ساحة الخرافة ، علينا ان نفهم و نعى ان لكل شئ تفسيره و ان المعتقدات و الايمان لها اهميتها القصوى فى حياة الأفراد و المجتمعات و لكن اذا تعدت هدفها بالاساس تحولت الى خرافة مثل الخرافة الاسرائيلية التى نحن بصدد استنكارها و الموت ضحكا من فرط طرافتها ، و هنا لا نطالب بفصل بين الدين و الحياة ، بلا انه لا حياة بدون دين ، بل ان الفصل بينهما يماثل الفصل بين الروح و الجسد ، و لكن علينا ان نفهم ان الله قد فطر الطبيعة بقانون و ان فهم ادوار و مهمات كل القوانبن من حولنا هى من مطالب الدين الاساسية و لكن ليس فى تصور خرافى و لكن بتصور فكرى علمى و كم من الايات الواردة فى القرآن التى تأمر بالتبصر و التفكير .
إن المقولة “بفصل الدين عن السياسة” تفهم دائما و تفسر من قبل البعض بأنها تطالب بحصر الدين فى دور العبادة و الحكم عليها بعدم مغادرة اركان المسجد ، أعتقد أننى اتبنى “فصل الدين عن السياسة و فصل السياسة عن الدين” و لكن من خلال اكمالها باضافة بندا مكملا لها و هو ان” الدين دنيا و آخرة و لا فصل للدين عن الدنيا و لا فصل للدنيا عن الدين “.. و لا يمكن ان نترك المبدأ الأول دون تأكيد هذا المعنى حتى يتفهم الجميع الأمر ، و لكن قد يأتينا البعض و يحتج بان “الاسلام دين و دولة” سنقول له ان الاسلام اكبر من ان يكون دولة لأنه “دين و دنيا” و يا أيها المحتج ايهما اكبر الدولة “أم الدنيا “؟ بالتأكيد ستكون الاجابة هى الدنيا . و لكن ….. سيحاول ان يتحدث عن معنى” دين و دولة” سنقول له مهلا فلتستمع لنا قليلا فان الذى أفرده مفكرو الحركات الاسلامية كبير فى هذا المعنى و لقد مررنا على أفكارهم – التى نحترم اغلبها بالطبع كمحاولة لفهم شمولية الدين- و لكن اترك لنا نحن المجال قليلا لنشرح وجهة نظر قد تكون فى حاجة ان تسمعها من مخالفيكم فى الرأى.
بداية ان الدين هو منهج حياة و له من التأثير فى تربية الفرد و المجتمع و بنائه و الرقى بفكره و سلوكه و باعث على التطوير و النهوض كما انه غذاء روحى نستمد منه القوة لمواصلة الطريق و ان وظيفة الدين شاملة فى تشكيل الحياة الانسانية قاطبة و أن الدين الصالح هو الذى يتسم يالمرونة لتلبية احتياجات الانسان المتزايدة و التى تختلف كما و نوعا على مختلف الأزمان ، أما أشكال الحكم و الأنظمة الإدارية و النظريات الفكرية و الإقتصادية و العلوم الطبيعية و التطبيقات التكنولوجية و هى التى تختلف باختلاف الازمان و الأماكن و الظروف ايضا ، و هنا لا ننفى علاقة الدين بهذا كله و لكن علاقة تغذية و ليست علاقة نظريات جامدة أو تطبيقات محددة لا تتغير، فالدين هو فلسفة جامعة نهتدى في ظلالها فى التفكير مستمدين منه المعانى العميقة التى تتجذر فى الوجدان كالعدالة و الحرية و الخيرية ، و قد لا نصل الى المثالية الكاملة و بالتأكيد لن نصل اليها ما دمنا نعبش فى الحياة الدنيا و لكن نكون قد اقتربنا منها ، و بعد فان المقاصد العامة للدين و الغايات العظمى منه تتحقق بتحقيقنا لما يصلح الانسان و البيئة المحيطة به فى كل زمان ، و أن يكون عملنا السليم بالشكل العلمى و العملى هو من أكبر أهداف الدين مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا أن يتقنه”.
إن الدين أكبر من دولة تقوم و تزول ، و علينا دائما أن نرعى انه دين و دنيا و أنه منهج حياة و أن شمولية هذا الدين لا تعنى حصره فى افكار محددة أو فى شكل دولة تقوم و تزول ، لأن الدين أعمق من فكرة وأكبر من دولة ، هو منهج حياة للفرد و المجتمع نترقى مدارجه بالفهم المتعمق و نسمو به فوق مفهومات ضيقة ، و الأشد خطرا من حصار الدين فى فكرة معينة أو دولة هو احتكار الدين لصالح فئة و منعه عن باقى الفئات.
علينا أن نفرق بين احتكار التحدث باسم الدين و بين مفهوم الدين نفسه ، فان الذين يحتكرون التحدث باسم الدين و حصره فى آرائهم و تآويلاتهم – هم الأكثر حاجة لفهم الدين ، لأن الدين اكبر من أن تحتكره فئة أو أشخاص ، بينما الدين هو كالهواء الذى نتنفسه جميعا لا يمكننا الاستغناء عنه و ليس ملكا لأحد أن يمنعه ، و اذا جاء أحد و زعم انه يحتكر الهواء فهو معتد علينا و على الهواء.
ان الدين هو المدخل الرئيسى فى انتاج الحضارات ، و نحن هنا نؤمن بأن للدين ثوابت لا تتغير ابدا – مثل ثوابت العقيدة والشريعة – و لكن لأنه الدين الصالح فإن له ثوابت عليا لا تتغير و لكنها تقبل التغييرفى اطارها ، و بالتالى فان الدين يقبل التغيرات الطارئة بفعل الزمان و المكان طالما أن التغييرات لا تبتعد عن مقاصده و لا تصطدم بثوابته ، و أعتقد أن الدين يدعو الى تحرير العقل و إعماله بما يحقق الإعمار على هذه الأرض ، ان الدين و ضع ضوابطا عامة للفرد و المجتمع ، و ما التزم بهذه الضوابط فرد أو مجتمع و شرع يحقق الهدف المطلوب منه .. الا و قد نجح هذا الفرد و المجتمع فى تحقيق مقاصد الدين دون ان ننعت اساليب و نماذج و أنظمة بأنها “دينية”على الرغم من أنها سارت و تحققت تحت ضوابط عامة من الدين التى التزم بها الفرد و المجتمع لأنها هنا مجهود إنسانى و سعى بشرى قد يشوبه الخطأ و النقصان مهما تحرى ألا يخطئ أو ينسى كما أننا لو نعتنا تلك الأساليب و الأنظمة و التطبيقات بالدينية فنحن هنا نكون قد حكمنا على غيرها من الأساليب بالوصف المضاد و هو “لادينية” و هنا يكون مدى الاساءة كبيرا فى حق الدين و مدى التجنى الواضح على الاساليب الأخرى .
و فى النهاية فإن هذه دعوة إلى الجميع ان يثيروا حوارا حول هذه النقطة حتى نصل الى مخرج من مرحلة طالت بنا فى عنق الزجاجة بين دين نمتلكه و فضاء رحب لممارسته .